ابراهيم بن عمر البقاعي
64
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يكون في صدره حرج من إنذارهم ، ثم عللوا إخراجهم بقولهم : إِنَّهُمْ أُناسٌ أي ضعفاء يَتَطَهَّرُونَ * وكأنهم قصدوا بالتفعل نسبتهم إلى محبة هذا الفعل القبيح ، وأن تركهم له إنما هو تصنع وتكليف لنفوسهم بردها عما هي مائلة إليه ، وإقبال على الطهر من غير وجهه وإظهار له رياء بما أشار إليه إظهار تاء التفعل ، وفيه مع ذلك حرف من السخرية ، وحصر جوابهم في هذا المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا ينافي آية العنكبوت القائلة فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 29 ] ، لأن إطلاق الجواب على هذا يجوز ، والمعنى : فما كان قولهم في جوابه إلا إتيانهم بما لا يصلح جوابا ، وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق بالجواب ، أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب والإيذان بالإصرار والإغلاظ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - مستلزما للعذاب ، كانوا كأنهم نطقوا به فقالوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ ، جعل نطقهم بالسبب نطقا بالمسبب ، أو أنهم استعملوا لكل مقام مقالا ، ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا وفي النمل حصر الجواب في هذا ، أي فما كان جوابهم لهذا القول إلا هذا ؛ ولما زادهم في العنكبوت في التقريع فقال : أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [ العنكبوت : 29 ] أتوه بأبلغ من هذا تكذيبا واستهزاء فقالوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ - الآية . ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه ، وكان الإعلام بإنجائه - مع كونه يفهم إهلاكهم - أهم ، قال : فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي من أطاعه إِلَّا امْرَأَتَهُ ولما كان كأنه قيل : ما لها ؟ قال : كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ * أي الباقين الذين لحقتهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى أنها أصابها مثل عذاب الرجال سواء ، لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم . ولما أفهم هذا إهلاكهم ، بينه دالا على نوعه بقوله : وَأَمْطَرْنا أي حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء ؛ وأوضحه بقصره الفعل وتعديته بحرف الاستعلاء فقال : عَلَيْهِمْ وأكد كونه من السماء لا من سطح أو جبل ونحوه بقوله : مَطَراً وأشار إلى عظمه مزيلا للبس أصلا بما سبب عنه من قوله : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أي آخر أمر الْمُجْرِمِينَ - * وأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش المعصية دليلا على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه ، لأن الحكم يدور مع العلة ، وسيأتي في سورة هود عليه السّلام سياق قصتهم من التوراة بعد أن مضى في البقرة عند إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ